محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

195

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

من كلام سهل بن عبد اللّه ، وقد سأله بعض تلاميذه : كيف تعرف أولياء اللّه تعالى ؟ فقال : إن اللّه تعالى لا يعرّفهم إلا لأشكالهم أو من أراد أن ينفعه بهم ، ولو أظهرهم حتى يعرفهم الناس لكانوا حجة عليهم ، ومن خالفهم بعد علمه بهم كفر ، ومن قعد عنهم خرج ، ولكن اللّه تعالى جعل اختياره تغطية أمورهم ؛ رحمة منه لخلقه ورأفة ، ولكن اللّه تعالى قد أخبر بكرامتهم فقال عزّ وجلّ : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 257 ] ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران : 68 ] فأفردهم به ، ولو أظهرهم حتى يبرزهم لكان في النظر إليهم حجة ، وكان الاستماع لحديثهم فرضا » انتهى . والمعنى الذي ذكرته في هذه المسألة فهمته من الكلام الذي ذكره الشيخ أبو طالب رضي اللّه عنه في كتاب « الشكر » قال فيه : « ثم بعد ذلك من لطائف المنعم شمول ستره لهم ، بعضهم من بعض ، ونشرهم عند العلماء والصالحين منهم ، ولولا ذلك لما نظروا إليهم ، ثم حجب الصالحين عنهم ، ولو أظهر عليهم آيات يعرفون بها حتى يكون الجاهلون على يقين من دلالة اللّه تعالى لهم ، وقربه منهم لبطل ثواب المحسنين إليهم ، ولحرم قبول إحسانهم عليهم ، ولحبطت أعمال المسيئين إليهم ، ففي حجب ذلك وستره ما يحمل العاملين في الخير والشر على الرجال وحسن الظن من وراء حجاب اليقين ، وتأخرت عقوبات المؤذين لهم عن المعاجلة لما ستر عليهم من عظيم شأنهم عند اللّه عزّ وجلّ وجليل قدرهم ؛ ففي ستر هذا نعم عظيمة على الصالحين في نفوسهم من سلامة دينهم وقلّة فتنتهم ، ونعم جليلة على المنتهكين لحرمتهم المصغّرين لشعائر اللّه من أجلهم ، إذ كانوا أساءوا إليهم من وراء حجاب ، فهذا هو لطف خفيّ من لطف المنعم الوهاب ، كما جاء في الخبر : « من آذى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة ، ثم أنا الثائر لولي » « 1 » . فقد يكون مثل ذلك : « من آذى نبيا ، وهو لا يعلم بنبوّته قبل أن يخبر أنه رسول اللّه ، وأن اللّه عز وجل نبّأه ، فلا يكون وزره وزر من انتهك حرمة من كان أعلمه أنه نبيّ عزّ وجل لعظيم حرمة النبي » انتهى ما ذكره الشيخ أبو طالب . والوجه الأوّل أولى في تقرير معنى ما ذكره المؤلف . واللّه تعالى أعلم . من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه ، وسببا لجر الوبال « 2 » إليه . المطلّع على السرائر التي تقتضي وجوب العيب إذا لم يتخلّق صاحبه بالرحمة

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( فتن ، 16 ) . ( 2 ) الوبال : الضرر والمكروه يلحق المرء .